أبي منصور الماتريدي
146
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً أي : لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي وردكم رسالة الله إليكم ، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ذلك . والثاني : لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا . والثالث : لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك ؛ إذ ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له ، إنما يأمركم ويدعوكم لحاجة أنفسكم والمنفعة لكم . ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئا جواب قوله : فَكِيدُونِي جَمِيعاً . . . الآية . إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ لا يخفى عليه شيء وإن لطف ، فكيف يخفى عليه أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها . أو يقول : إن ربي على كل شيء حفيظ ] « 1 » : فيجزيه عليه ، ولا يذهب عنه شيء ، أي : لا يفوته ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً . قوله : جاءَ أَمْرُنا أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة ؛ كقوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه . وقوله - عزّ وجل - : نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا : هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله ؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله ، قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته » « 2 » ، لا على ما يقوله المعتزلة : إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته . ثم يحتمل قوله : بِرَحْمَةٍ مِنَّا وجوها ؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا ، أي : رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه ، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم ؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود ، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم . ويحتمل قوله : بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي : بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم . والثالث : وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ [ قال بعضهم : نجيناهم من العذاب الذي أهلك هؤلاء . ويحتمل أن يكون على الوعد أي : ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ ] « 3 » . وقوله - عزّ وجل - : وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا أي : وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .